إنْ استطعتُ أن أكون خالداً…سأكون شاعراً

 

إنْ استطعتُ أن أكون خالداً…سأكون شاعراً

قصائد للشاعر الصيني شي تشوان

 

 

 

قراءةُ مجلةٍ قديمةٍ من عامِ 1926

 

صفحةٌ تُقلَبُ تلو الأخرى، تتناثرُ منها أصواتُ طلقاتٍ نارية

تجتازُ النهرَ الجاف من بعيد

والإعلاناتُ القديمةُ لا تزال تحتفظُ بسحرها

كنتُ أشاهدُ براحةِ بالٍ

غروبَ الشمس على الورق. لا بد أن أعود إلى ذلك العصر، وأشتري بكلِّ ما أملك

قلماً جافاً، أو طائرةً ورقيةً تُحدِثُ جلبة

 

سيكون ثمة شاب في عام 1926

يقرأُ مجلةً أكثرَ قِدَماً

ويمضغُ الفولَ السوداني

الذي حمَّصته نيرانُ الحرب

وعند الضفةِ الغربيةِ للمحيطِ الهندي

من أرضِ الفول السوداني الجرداء،

تهب ُّالرياحُ الموسميةُ على قطراتِ الندى

وتُميلُ قبَّعةَ الشاعرِ القشِّيَّة

 

ثمة العديد من الأشياء التي لا بد أن نتمهل في التفكير فيها

وحتى بعد مرور سنوات طوال،

ستظلُّ هذه الأشياءُ ماثلة

وستكونُ تماماً

الليلَ والنهار،

الأرضيةُ تحتنا، والسقفُ فوق رؤوسنا

وأسفلَ نافذةِ بدايةِ الربيع

ظللت أقرأُ مجلةً قديمةً حتى مطلع الفجر.

 


 

شلالُ السحب

 

شلالُ السحبِ في نهايةِ حقلِ الذرة، شلالُ سُحبِ دانتي

شلالُ السحبِ الرماديةِ الممتدةِ بانتظامٍ في نهايةِ حقلِ الذرة

تصد العواصفَ الرعديةَ والرعب

لهذا أصبح قلبي خاوياً

وطفولتي بأكلمها مفقودة

كانت طفولتي بصيصَ ضوءٍ في عيني غراب

لكني لا أملكُ عيني غراب

وقت المغيب، في حقل الذرة أغمضُ عينيَّ لفترة

وأبقيهما مغمضتين لفترةٍ أطول بأنفاسِ التبغ

إنْ استطعت أن أكون خالداً

سأكون شاعراً، وأقضي حياتي مُعذَّباً

أو أكونُ سعيداً

وأتقدمُ إلى الأمام دائماً في مغيبِ حقلِ الذرةِ الدافئ

وأقتربُ من ذلك الجدار الرمادي العالي وأصافحُ دانتي

ولا أقابلُ أحداً آخر.

 


 

علماءُ الآثار

 

كم كميةَ ترابٍ سيلقونها في القبر

هي الكمية ذاتها التي سأخرجها أنا وزملائي

وكيف يغلقون القبرَ بآخرِ طوبة

سأنقل تلك الطوبة ـــــ ربما سأحركها بطريقةٍ خاطئة

سأقوم بعملهم مرةً أخرى، لكن معكوساً تماماً

إذا بدؤوا من واحدٍ إلى عشرة

سأبدأُ من عشرةٍ إلى واحد

نجومُ الدب الأكبر لا تزال سبعَ نجمات، لكن حجمَها صَغُرَ قليلاً

ومطرُ الليلةِ إذ أتذوقه، مذاقُه حامضٌ بعض الشيء.

لمستُ الخزفَ، والبرونزَ، الأدوات المطليةَ باللك، بذلةَ الدفن المصنوعةَ من اليشب ـــ

ومثلما ألبسوا الأموات البذلات،

سأخلعها عنهم، وألمسها

إنّ ذاكرتي، بعيدةٌ تمامَ البعد عن ذاكرةِ معاصريّ

ورغم أن هذا لا يجعلني متخلفاً عن الآخرين

لكني بالتأكيد أعلمُ أكثر بقليل عن أسرارِ الموتِ والحضارة.

 


 

دوفو[1]

 

حُبُّكَ العميقُ يتسع

لفيضٍ من نورِ الشمسِ والمطر، وثمة حشدٌ

من الأحزان التي حوَّلتُها في النهاية

إلى أغانٍ…

وثمة الكثيرُ من أيام الخريف التي قادتني إلى هذه الليلة

حين وقعتُ في حُبِّ الشوارع

وأحراج الصنوبرِ الباهتة أمامي

 

بين نهرين شاسعين، في النُزلِ القروي

حيث كنت تستريح، سمعتُ أخيراً

صوتاً ما: رصيناً، ثابتاً وهادئاً

مثل زهرةِ فاوانيا تفتحت متأخرة في تشانغ آن

وفي عصرٍ مظلم

كنتَ أنتَ الروحَ الوحيدة

 

لا بد أن تعتمد الأنهارُ والجبالُ الخلابة

على هُزالك، وتلك الحضارة التي أوشكت على الفناء

كانت لا بد أن تلمسَها حتى تُحفظُ وتمتد

كانت لكَ شجاعة تقتربُ من السذاجة

وتنصتُ إلى لهيبِ الشمعةِ داخلك

حتى أنك لم تعرف مطلقاً كيتس وييتس

 

أضاءت الرياحُ الخريفيةُ القمرَ المكتملَ أعلى قمةِ الجبل

والغربان، فتحت لك الباب

وزمجرت عربةُ الإمبراطور حين مرورِها

وما تبع ذلك كان الجوع وقطاع الطرق

لكن الفن العظيم ليس سيفاً

بل نبعاً من الخير، قريباً من النقاء

 

قصورٌ حجبتْ خطَّ الأفق

أنت مَن بنيتها، لتشتاق إلى هؤلاء

الرجالِ والنساءِ الهائمين في دروبِهم

كان الخلاصُ سُدى، وكنت تدرك عنا

أنَّ المستقبلَ ما هو إلَّا الماضي

وأنَّ الأملَ ما هو إلَّا المصير.

 


 

أتطلعُ إلى سماء خا أر غاي[2]

 

ثمة نوعٌ من الغموضِ لا يمكنك السيطرة عليه

عليك فقط أن تلتزم بدور المتفرج

وتدع تلك القوةَ الغامضة

ترسلُ إشاراتٍ من بعيد

تطلقُ وميضاً، يتسللُ إلى قلبِك

كهذه الليلة، في خا أر غاي

تلك المنطقة المقفرة البعيدة عن المدينة

أعلى تلةِ تشينزانغ

إلى جانبِ محطةِ قطارٍ بحجمِ حبةِ فول

رفعتُ رأسي إلى نجومِ السماء

في تلك اللحظة كانت المجرةُ ساكنة، ونادراً ما ألمحُ جناحَ طير

والعشبُ الأخضرُ ينمو بجنونٍ تجاه النجوم

نست الأحصنةُ كيف تطير

هبَّت الريحُ على الليل الرحب، وهبَّت عليَّ

هبَّت على المستقبل وهبَّت على الماضي

أصبحتُ شخصاً ما، غرفة متواضعة

بها قنديل

سطحُ الغرفةِ المتجمد

وطأته ملايين النجوم حتى أصبح مذبحاً

وأنا كطفلٍ يتناولُ قرباناً

تشجعتُ، وحبستُ أنفاسي.

 

 

 

شاعر صيني معاصر، وُلد عام 1963 في مقاطعة جيانغسو. تخرج في جامعة بكين قسم اللغة الإنجليزية عام 1985. باحث زائر في جامعة آيوا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002 ويعتبر واحداً من أهم الشعراء الصينيين المعاصرين.

[1] شاعر صيني بارز في عصر أسرة تانغ.

[2] بلدة تقع في شرق مقاطعة غانغ تشا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.